| Posted: 12 March 2006 at 18:14 | IP Logged
|
|
|
علمتنى ابنتى
نخطى دائما عندما نتصور نحن الآباء بأننا نعلم أبنائنا ، ولكن الحقيقة هى العكس ...
قصتى مع ابنتى تؤكد ذلك أنها قصة طويلة .. طولها أكثر من 35 سنة علمتنى خلالها أشياء عديدة .
- علمتنى ابنتى معنى أخر للحب ، ليس الحب الأنانى وإنما هو الحب الكبير .
- علمتنى معنى المشاركة .
- معنى العطاء .
- معنى الإصرار و الصبر بلا حدود .
- معنى التحمل ، علمتنى معنى الرضا .
- معنى التوكل على الله عز وجل .
- علمتنى معنى التعالى على الصغائر .
-
هكذا علمتنى ابنتى معانى الكلمات ، كنت أقرأ فى كتب المطالعة تعبيرين لا أشعر بهمــــا ولا أحسهمـــا وهمــــا ( منهوك القوى ، وأثلج صدرى ) .
رحلة طويلة
الرحلة طويلة ولكننى سأختصرها فى مراحل :
- مرحلة الصدمة .
- مرحلة الأمر الواقع .
- مرحلة الرضا و القناعة .
- مرحلة التحدى و الصمود .
رحلة طويلة مجهدة ولكنها لم تكن مريرة رحلة مليئة بالإصرار والانتصار رحلة أثبتت قوة الإنسان عندما يريد وضعفه عندما يستسلم . كان لمجىء ابنتى الأولى فرحة كبيرة خاصة بالطفل البكر وخاصة أن زوجى هو الابن البكر وأول من سينجب فى العائلة . وجاءت ابنتى على غير ما نرغب ولا نتمنى جاءت وهى تعانى من " زملة دوان " أو بمعنى أخر " مغولية الشكل " وكانت هذه هى المرحلة الأولى وهى مرحلة الصدمة .
إنها مختلفة لكنها إنسانة ومن منا كامل من منا ليس مختلفا عن الآخر ، علينا إذا أن نتقبلها حتى يتقبلها الآخرون
اختيار إلهى
الرضا هو أقصر الطرق إلى السعادة عندما ترضى بما حباك به الله سواء فى قلة مال أو نقص فى صحة أو فى ولد ، وتشعر بأن هناك اختياراً إلهياً لشخصك حتى يخصك بما حباك به . وهذا هو الرضا .
وكانت ابنتى منحة وليست محنة ، نعمة وليست نقمة هكذا كنت أردد دائما .
ولم نشك يوما زوجى وأنا ، لم نتلفظ مطلقاً لماذا نحن !؟
كانت مشكلة لا أنكر ذلك . وكانت فى حاجة إلى عناية خاصة مستمرة لا تتوقف . لم يكن هناك معين غير الله . وهل يوجد أفضل منه ؟ لم يكن هناك كتاب يساعدنا أو طبيب يرشدنا ، وبرغم أن زوجى طبيب إلا أن أحداً لم يضىء لنا الطريق . كل ما أدركناه هو أنها ستحتاج إلى عناية أكثر من أى طفل سوى .
كنا على استعداد أن نعطيها كل وقتنا وقد كان . أيقنا وقتها أن الحب يفعل المعجزات والأطفال يدركون ذلك حتى وأن كان بهم نقص فكرى فهم يدركون بأنهم مفضلون عند ذويهم أو العكس .
وكانت " دينا " شغلنا الشاغل فعندما يعود زوجى من العمل فإن أول كلمة ينطق بها هل أكلت ؟ هل نامت ؟ ثم يتذكر أن يقول مساء الخير . كان وجودها هو نوع من التحدى ، التحدى للإعاقة ، عملنا وتعبنا ورفضنا الخروج وعندما يزورنا أحد كانت هى مركز الاهتمام عن تقدمها ونسألها لتجيب أمام الضيوف ولا نمل .
وجاءتنى ابنتى الثانية ويعلم الله أنها لم تأخذ أى اهتمام ذيذكر بل أننى فوجئت بها تمشى وفوجئت بها تتكلم هى شعرت بذلك وكم عانت منه إلا أنها عندما أدركت أعلنت أنها لا تحملنى أى ذنب . وإنما إذا عادت عقارب الساعة
من جديد لاختارت هى نفس الأسلوب فهذا الأسلوب هو الذى ساعد " دينا " أما هى على حد قولها فهى سوية تستطيع أن تعتمد على نفسها . وساهم وجودها فى دفع " دينا " إلى الأمام فقد بدأت تشعر بأن هناك ضيفا دائماً لا ينتهى وجوده بعد ساعة أو اثنتين .. فبدأت تسأل عن هذا الضيف بكلمة واحدة نطقتها " إيه ده " وربما تصورت أنا أنها تعنى ذلك وكنت أجيب أختك .. لبن أختك .. حمام أختك .. وأعيد وأكرر وأكرر حتى أصبح ذلك عيباً يلازمنى أكرر كلامى لكل شخص .
وبعد هذا المجهود كنت أقع نائمة بينهما وأنظر إلى الساعة لأجدها الرابعة ظهراً وأستيقظ على صراخ إحداهما لأجدها الرابعة ودقيقة أو دقيقتين وتحقق المعنى الأول للكلمات التى علمتنى ابنتى معناها " منهوك القوى "
تعددت الأسباب
هناك أسباب لتقدم " دينا " لا دخل لنا فيها وإنما هى إرادة الله سبحانه وتعالى " أن تكون دينا الأولى فأخذت الاهتمام البالغ من زوجى ومنى ومن عائلتنا فهى محبوبة ومرغوب فى حضورها ولا أحد ينزعج منها حتى عندما تضرب طفلة فالكل يسارع ويقول للمضروب أنها لا تقصد " .
أن تكون الشقيقة الثانية بنتا وليست ولداً يخرج مع أصدقائه أكثر مما يجلس فى البيت ( وأن الشقيقة هى الصغرى ورغم أنها هى السوية إلا أنها كانت تنظر إلى شقيقتها بأنها الكبرى وهى كذلك بالفعل ولكنى أقصد أنها تعتبرها الحماية فكانت الشقيقة " شهيرة " تخشى الظلام وكانت " دينا " على العكس تتمتع بشجاعة فى نظرى " شجاعة الجهل " فكثيراً ما كانت تلجأ لها للدخول إلى الحمام أو أية حجرة بعيدة عن مكان جلوسنا مما أعطى دينا إحساساً بأنها الكبيرة و الشجاعة وحامى الحمى وعندما تعاند فى التمسك بأشياء قد تكون خطرا عليها كانت شهيرة تمثل دور الطفلة " وقد أدركت قواعد اللعبة " وتلجأ إلى شقيقتها الكبيرة تبكى تمثيلاً طالبة أن تعطيها ما تمسكه وتتنازل دينا طوعاً عما تتمسك به من أجل الصغيرة .
هناك الأب كان نعم الزوج و الأب كان متفاهما إلى أبعد الحدود وكان لا يمل ولا يكل من شراء كتب مصورة تقطعها دينا ويأتى بغيرها حتى أحبت الكتاب وكان يشترى لها جهاز " الكاسيت " وكان نادراً فى القاهرة منذ 33 سنة وكان لا يمل ولا يكل من شراء الشرائط التى تقطعها ويأتى بغيرها حتى أحبت الموسيقى وساهمت كلمات عبد الحليم حافظ فى زيادة تحصيلها للكلمات فكانت تسمع المقطع الواحد آلاف المرات حتى أن شهيرة سألتنى يوماً هل يوجد أحد يحلم بكنبة ! لأنه كان يقول " بحلم بيك أنا بحلم بيك "
جاء سن الالتحاق بالمدرسة وكان لزاماً علينا أن نبحث لها عن مدرسة وسمعنا عن مدرسة رمسيس وأن بها قسماً خاصاً للأطفال ذوى الاحتياجات الخاصة وتصادفت أن تكون أول زيارة لى لهذه المدرسة فى " عيد الأم " ودخلت على أصواتهم البريئة وهن يرددن " انتى يا ماما ملاك من الجنة تحت جناحك أعيش واتهنا "
وسألت دموعى ربما لأول مرة شعرت بأنهن يشعرن بالولاء لأمهاتهن رغم مجيئهن إلى هذه الدنيا بهذه الاعـــاقة " يا سبحان الله "
( دخلت دينا مدرسة رمسيس واستمر العطاء لها من جميع الجوانب )
عملى كصحفية كنت ومازلت أقوم بتحرير باب أسبوعى كان ينشر يوم الجمعة قبل أن يصبح الخميس وكنت أستقى معلوماتى من الكتب وشجعنى رؤسائى على هذا النوع من العمل بدلاً من قسم التحقيقات الذى يلزمنى الخروج وراء المصدر وهذا التعاون من جانب رؤسائى ( المستمر حتى الآن ) زادنى قوة وشجاعة .
وكانت تصلنى خطابات من القراء للمشاركة فى الباب وكانت دينا تجلس معى تقطع الخطابات المكتوب عليها من الخارج ( صفحة الجمعة )
وفوجئنا بها يوماً تمسك بجريدة يوم الجمعة المكتوب على أولى صفحاتها بالأحمر " الجمعة " وقرأت مشيرة بإصبعها على الكلمة قائلة " جمعة " وكانت سعادة ما بعدها سعادة وانطلقنا ...
أولاد خالتها كانوا فى مثل سنها تقريباً وكانوا فى الجوار مما سهل وجودهم الدائم معها وانتهزنا فرصة قرءتها لكلمة جمعة وكتبنا لها كلمات تعرفها جيداً مثل اسمها واسم شقيقتها وأولاد خالاتها . وكتبنا كل اسم على ورقتين وبلون واحد وتختلف الألوان باختلاف الكلمة وكنا نوزع الورق على الأولاد الجالسين على الأرض على شكل دائرة ونخص دينا بالعدد الأكبر كانت البداية أن تقرأ نحن الكلمة ونطلب منها البحث عن توأمهاا فإذا لم يكن بالكلمة فلتلجأ إلى اللون ومع الأيام طلبنا منها أن تقرأ هى الكلمة مع محاولة تحفيزها بأن يحاول أحد الأطفال أن يجيب هو ونقول لا هذا دور دينا .
وأجادت دينا القراءة هكذا ببساطة أقول ببساطة رغم المعاناة لكن النتيجة المبهرة تمحو دائما أى تعب أو معاناة
لم تكن الصورة كلها مثالية متكاملة ومتناغمة طوال الوقت لكن كان يتخللها بعض الازمات النفسية و الجسدية و العقلية من كثرة الإرهاق و العمل المتواصل ، فأحيانا تشعر وكأنك تعمل وتعمل ولا فائدة ثم تأتيك النتيجة مبهرة فجأة فكل ما حدث لــ " دينا " من تطورات كان يأتيها على شكل طفرات وليس تدريجياً .
- أحبت الكتابة وكانت تتأخذ أى كتاب من المكتبة وتنقله دون أن تفهم ما فيه ولم نرفض وتركنا لها المكتبة ترتع فيها وتختار ما تشاء حتى وأن كان القضاء و القدر للشيخ الشعراوى ! أقول ذلك لأنه حدث وكنا نشفق عليها من صعوبته إلا أنها كانت تفضله .
- أحبت الموسيقى لتعلقها " بالكاسيت " واستعنا بأستاذ عظيم رحل عن عالمنا هو الأستاذ " ألبير " كان يعرف جيداً كيف يحفزها لإنجاز ما يطلبه منها وكان قادراً على أن تنفذ ما يريد وليس كما هى تريد فهى عنيدة جداً ولابد أن تنتصر لرأيها
نقاء قطرة الندى
مشاعر دينا وعواطفها طبيعية جداً فهى تحب مثلها مثل كل إنسان لكنها لا تعرف تكره فهى نقية كقطرة الندى عفوية كطفلة رغم أنها جاوزت الثلاثين فهى تقول لك ما تشعر به تجاهك دون مواربة فلا تعرف النفاق أو الخداع
من الظلام إلى النور
تعتبر بعض الأسر وجود طفل معوق داخل الأسرة كارثة وعليهم أن يندبوا حظهم و الواجب علينا نحن الأهالى ألا تعتبر الإعاقة مانعاً لأن يتمتعوا بحقهم فى الحياة علينا أن نخرجهم من دائرة الظلام إلى دائرة النور .
سجل حافل
جاءتها الدعوة لتتحدث عن حقوق المرأة المعوقة ذهنيا قال الدكتور عبد السلام البنا يوجد من يتحدث باسم الصم والبكم و المعوقين حركيا وبصريا لكن ليس لدينا من يمثل المعوقين ذهنياً . وطلبت مهلة لأسأل دينا فأنا أخشى عليها من الصدمة لأنها كانت تدرك أنها معوقة ثم فجأة أنكرت ذلك وقالت كانت أسنانى غير سوية لم أستطع الكلام لكن وبعد ما تم التقويم فأنا الآن سوية ولا أدرى من أين أتت بهذه القصة فليس لها أى أصــــل على الإطلاق !! قلت لها أنك مطلوبة لتتحدثى عن حقوق المرأة المعوقة ابتسمت وأمسكت بورقة وكتبت بخط يدها كلاماً قالته فى المؤتمر " أنا بأقول للمعوقين لا تحبسوا أنفسكم واخرجوا فى الشارع ثم قالت عاوزين الناس تعاملنا حلو " !!
- عزفت بيانو أمام السيدة سوزان مبارك فى افتتاح مؤتمر للروتارى .
- وألقت أمامها كلمة نيابة عن الأطفال ذوى الاحتياجات الخاصة .
- عزفت البيانو فى افتتاح المهرجان الدولى لسينما الأطفال بدار الأوبرا المصرية .
- سافرت إلى لبنان وأمريكا للمشاركة فى دورة الأولمبياد الخاص لألعاب القوى .
- سافرت إلى النرويج فى تبادل طلابى بين جمعية الحق فى الحياة وإحدى مدارس النرويج .
- عزفت البيانو فى سفارة بريطانيا تستخدم الكمبيوتر وتكتب بتمكن وتطبع ما تكتبه ساعدها فى ذلك وجود كمبيوتر فى المنزل وأيضاً آلة الطباعة فشقيقتها كانت تدرس الكمبيوتر فى الجامعة .
- وجاء موعد الكلمة الثانية التى علمتنى ابنتى معناها وهى " أثلج صدرى " فعندما تسمع خبراً ما يسعدك فإنك تقول ( لقد أثلج صدرى ) ، ( وجـــــاءت دعــــــوة من مدينة الشــارقة للخدمـــات الإنسانية 1999 " لدينا جلال " للمشاركة فى ملتقى المنال للإبداع الفنى وكانت الوحيدة المعوقة ذهنياً المشاركة فى الملتقى وشعرت يومها وأنا أقرأ الدعوة وكان هناك قطعة ثلج تمسح بصدرى يا الله !! ) .
هذا صحيح
صحيح أن وجود طفل معوق داخل الأسرة يبعث فى النفس الحزن والأسى فهو صفعة للآمال و التوقعات ولا أحد يستطيع أن يدعى الشجاعة وقوة الإيمان منذ الوهلة الأولى ، وهناك ردود أفعال تقريباً واحدة تبدأ كلها بالصدمة وعدم الاعتراف بالإعاقة و الغضب ثم التنقل من طبيب لآخر ثم الحزن على الطفل ومستقبله وكونه معتمداً على الآخرين حتى نهاية العمر وأحيانا الشعور بالذنب فنحن سبب وجوده وأحيانا الخجل منه ، ثم أخيراً التكيف معه وقبوله بل وحمايته .
كل ذلك مشاعر طبيعية ولكن بعد كل ما سردته عن " دينا " ونجاحاتها هل يوجد مكان للأسى و الحزن !؟ أظن لا فمن لا يعرفهم يشعر بالمرارة من أجلهم لكن بعد التأهيل و التدريب فإنهم يجبروننا على أن نفخر بهم .
- وعلينا أن نتعامل معهم على قدر امكانياتهم وقدراتهم وإن كانت محدودة
- علينا ألا نتوقف عند نواقصهم
- علينا ألا نتوقع منهم الكثير حتى لا يصيبنا الإحباط عندما يفشلون .
- ولا أن تكون توقعاتنا متدنية فنفقد الدافع لتدريبهم .
إذا ... لا تحزنزا من أجلهم ففى داخل كل منهم بطل وعلينا أن نخرج الطاقات الكامنة داخل كل منهم إنهم أبطال و الدليل على ذلك الميداليات الذهبية و الفضية التى يعودون بها من الدورات الأوليمبية فى حين أن أمهر الأسوياء يعودون دائماً بـــ " خفى حنين " .
|